محمد الغزالي

148

فقه السيرة ( الغزالي )

إنكارا لهما ، بل يزيد الدكتور هيكل أنّ المسلمين تضعضعوا على أثر انتشار القصة على الأفواه ، واستبعاد المشركين لوقوعها ، وهذا كلّه خطأ ، فلا الآثار التاريخية تدلّ « 1 » عليه ، ولا الاستنتاج الحصيف ينتهي به ، ولا ندري كيف يقال هذا ؟ ! . [ عرض الإسلام على القبائل ] : مضى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على نهجه القديم ، ينذر بالوحي كلّ من يلقى ، ويخوض - بدعوته - المجامع ، ويغشى المواسم ، ويتبع الحجيج في منازلهم ، ويغبّر قدميه إلى أسواق ( عكاظ ) و ( مجنة ) و ( ذي المجاز ) داعيا الناس إلى نبذ الأوثان ، والاستماع إلى هدي القران ، وكان يسأل عن منازل القبائل قبيلة قبيلة ، ويعرض عليهم نفسه ليؤمنوا به ، ويتابعوه ويمنعوه . . . وكان عمّه أبو لهب يمشي وراءه ويقول : لا تطيعوه ، فإنّه صابئ كذّاب ! . فيكون جواب القبائل : أسرتك وعشيرتك أعلم بك ! ثم يردّونه أقبح الردّ . ومن القبائل التي أتاها الرسول عليه الصلاة والسلام ودعاها إلى اللّه فأبت الاستجابة له : ( فزارة ) ، و ( غسان ) ، و ( مرة ) ، و ( حنيفة ) ، و ( سليم ) ، و ( عبس ) ، و ( بنو النضر ) ، و ( كندة ) ، و ( كلب ) ، و ( عذرة ) ، و ( الحضارمة ) ، و ( بنو عامر بن صعصعة ) ، و ( محارب بن حفصة ) . . . إلخ . ما وجد في هؤلاء قلبا مفتوحا ، ولا صدرا مشروحا ، بل كان الراحلون والمقيمون يتواصون بالبعد عنه ، ويشيرون إليه بالأصابع . وكان الرجل يجيء من الآفاق البعيدة ، فيزوده قومه بهذه الوصاة : احذر غلام قريش لا يفتنك ! ! . مع ذلك فإنّ الرسول عليه الصلاة والسلام - في هذا الجو القابض - لم يخامر اليأس قلبه ، واستمرّ مثابرا في جهاد الدعوة ، حتى تأذّن الحقّ - أخيرا - بالفرج .

--> ( 1 ) يرد هذا ما في المسند ، رقم ( 4546 ) من حديث ابن عباس ، قال : أسري بالنبي صلى اللّه عليه وسلم إلى بيت المقدس ، ثم جاء من ليلته فحدّثهم بمسيره إلى بيت المقدس ، وبعيرهم ، فقال ناس : نحن نصدّق محمدا بما يقول ؟ ! فارتدوا كفارا ، فضرب اللّه أعناقهم مع أبي جهل . . . الحديث . وإسناده حسن ، وقال الحافظ ابن كثير في ( تفسيره : 3 / 15 ) : « ورواه النسائي ، وإسناده صحيح » قلت : وهذا من الأدلة الكثيرة التي تبين أن الإسراء كان بالروح والجسد ، الأمر الذي لا يعلّق عليه حضرة المؤلف كبير اهتمام ! .